القرطبي

16

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قلت : والصحيح أن الظاهر يعمل عليه حتى يتبين خلافه ، لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صحيح البخاري : أيها الناس ، إن الوحي قد انقطع ، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم ، فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه ، وليس لنا من سريرته شئ ، الله يحاسبه في سريرته ، ومن أظهر لنا سوءا لم نؤمنه ولم نصدقه ، وإن قال إن سريرته حسنة . الثالثة - قوله تعالى : ( وهو ألد الخصام ) الألد : الشديد الخصومة ، وهو رجل ألد ، وامرأة لداء ، وهم أهل لدد . وقد لددت - بكسر الدال - تلد - بالفتح - لددا ، أي صرت ألد . ولددته - بفتح الدال - ألده - بضمها - إذا جادلته فغلبته . والالد مشتق من اللديدين ، وهما صفحتا العنق ، أي في أي جانب أخذ من الخصومة غلب . قال الشاعر : وألد ذي حنق على كأنما * تغلى عداوة صدره في مرجل وقال آخر : إن تحت التراب عزما وحزما * وخصيما ألد ذا مغلاق و " الخصام " في الآية مصدر خاصم ، قاله الخليل . وقيل : جمع خصم ، قاله الزجاج ، ككلب وكلاب ، وصعب وصعاب ، وضخم وضخام . والمعنى أشد المخاصمين خصومة ، أي هو ذو جدال ، إذا كلمك وراجعك رأيت لكلامه طلاوة وباطنه باطل . وهذا يدل على أن الجدال لا يجوز إلا بما ظاهره وباطنه سواء . وفى صحيح مسلم عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم " . قوله تعالى : وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ( 205 ) وقوله تعالى : ( وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ) قيل : " تولى وسعى " من فعل القلب ، فيجئ " تولى " بمعنى ضل وغضب وأنف في نفسه . و " سعى " أي سعى بحيلته وإرادته